الجمعة، 29 مارس، 2013

حسني الزعيم, (قابيل) الانقلابات



البلاغ رقم 1 "اليوم فتحت صفحة جديدة في حياة الشعب العربي في سورية, وطويت صفحات, فتحت صفحة مجيدة لتسجيل البطولات والأمجاد, وطويت صفحات ملأى بالذل والعار لقد رأى الجيش السوري الباسل ما آلت إليه حالة البلاد من فوضى  فأبت عليه وطنيته وكرامته أن يقف مكتوف الأيدي, وأبت على أبنائه نفوسهم النبيلة أن يرضوا بالذل والعبودية والفناء مصيراً لأمة عظيمة كتب لها المجد والخلود. فصمم على أن يقف هذا الموقف الشريف, ويتدخل ليعيد الأمور إلى نصابها ,اليوم شقت الطريق أمام الشعب العربي في سورية للسير قدماً إلى الأمام في سبيل تحقيق رسالته الخالدة "(1) , كان هذا اول بلاغ رقم (واحد) في تاريخ سوريا  والشرق الاوسط , توالت من بعده البلاغات رقم (واحد) واحدا تلو واحد .


حسني الزعيم قائد الانقلاب الاول

الساعة الثانية فجرا من صباح يوم الأربعاء 30 آذار /مارس 1949 , تحرك رتلان مدرعان من الجبهة السورية الفلسطينية بإتجاه دمشق , كان الرتل الاول بقيادة العقيد (أديب الشيشكلي) و الثاني بقيادة المقدم (محمود شوكت) وكان بإنتظارهما الزعيم (حسني الزعيم) على ربوة دمشق ليعطيهما اوامره , بينما ارسلت وحدات بقيادة (إبراهيم الحسيني ) و(هاني الصلح) و (عبدالغني قنوت) لاعتقال الرئيس و رئيس الوزراء و السياسيين البارزين , و في الساعة 7 صباحا أعلن عن البلاغ رقم (1) و عقد الزعيم مؤتمرا صحفيا ساعده فيه عديله(نذير فنصة)مدير جريدة (الف باء) ,قائلا أن الانقلاب سببه الهجمات المتكررة على الجيش  (2) و قد سار الانقلاب بكل سلاسة و دون اراقة قطرة دم واحدة ,وحبس رئيس الجمهورية في المستشفى العسكري لمرضه و سجن العديد من السياسيين في سجن المزة العسكري ,بينما بقي بعض من رحبوا بالانقلاب والذين دعاهم الزعيم للتباحث لتشكيل حكومة جديدة , كان من بينهم (ناظم القدسي)و (معروف الدواليبي) و (عادل أرسلان) ,لكن كان هناك اسم بارز كان اكبر الداعمين للزعيم, بل و كان المحرض على الانقلاب , الا وهو (أكرم الحوراني) الذي كان يخط البيانات حول تمسك الزعيم بحقوق الانسان في حين كان يجول بباله أن الزعيم سيحقق له احلامه الاشتراكية حتى عينه الزعيم  مدير شؤون الصحافة والاعلام في وزارة الدفاع(3) لكن الحوراني بعد بضعة اسابيع برز كأحد المخططين للانقلاب على الزعيم مرة اخرى و سيرتبط اسمه بكل انقلابات سوريا حتى هروبه منها.
اكرم الحوراني زعيم الحزب العربي الاشتراكي
نشرت جريدة التايمز اللندنية بتاريخ 11/4/1949 أي بعد عشرة ايام على الانقلاب التعليق التالي "إن حسني الزعيم قد بدأ في خطته لتنفيذ ارائه التقديمة , وانهى حكم العائلات الغنية في سوريا ,وقضى على المحسوبية و الشفاعات و الرشاوى"(4) , فما الذي حدث حقا؟. تشير تقارير مرفوعة من السفارة الامريكية في دمشق الى وزارة الخارجية الامريكية أن الحكومة الامريكية كانت على علم بانقلاب وشيك سيقوده الزعيم , وذلك من خلال محادثات مساعد المحلق العسكري الميجور (ميد) مع الزعيم (حسني الزعيم) , ونقل الزعيم لمترجم المفوضية الامريكية السيد (غميان) في يوم الانقلاب عزم بلاده على التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة ,ففهمت الحكومة الامريكية ان الزعيم يبحث عن نوع من الاعتراف بإنقلابه , وطلب من امريكا ايضا التأكيد على ان (تل أبيب) لن تتحرك اثناء الانقلاب . ولكن لمَ ترغب التحرك بينما هناك من يقوم بخلخلة الاوضاع اصلا في سوريا؟(5) لم تكن العلاقة قبل حرب 48 سيئة مع أمريكا ,حتى أن (شكري القوتلي) في اكتوبرمن عام 1945 صرح في احد اجتماعاته مع وفد من اعضاء الكونغرس بأنه "لا توجد دولة ترغب سوريا بالوصول الى أفضل صيغ التعاون معها من الولايات المتحدة الأمريكية" (6) لكن الدعم الامريكي اللامحدود لإسرائيل التي خرجت من حرب 48 منتصرة غيّرت من المشهد السياسي.

حسني الزعيم يحيي احد الضباط
(هل يظنون بأني سأقتله؟ أستطيع بسهولة أن اثبت أنه قد توفي لأسباب طبيعية وأحضر الاطباء من لبنان و العراق و مصر لأثبت ذلك ) , دار حوار بين (حسني الزعيم) و الميجور (ميد) الذي كان يحاول تخفيف تهور حسني الزعيم الذي كان يرغب بمحاكمة القوتلي الذي كان مريضا وقتها , بتهم فساد تتعلق بالجيش او التخلص منه بأي طريقة ,حتى اقنعه (ميد) بالاهتمام بالقوتلي ان كان يريد اعترافا بانقلابه. من الواضح ان الولايات المتحدة كانت حكيمة في تعاملها مع الانقلاب ,فقد اشار وزير الخارجية الامريكية (دين اتيشسون) على رئيس امريكا(هاري ترومان) بأن ينتظروا شهرا  قبل الاعتراف بانقلاب الزعيم حتى لا يحصل انقلاب آخر عليه وتستقر الامور له , وفي شهر يوليو /تموز فاجئ الزعيم الامريكيين باستعداده للقاء ديفيد بن غوريون نفسه بهدف الوصول الى حل عادل للقضية الفلسطينية  لكن الامريكيين رأوا تأجيل الامر لعدم ملائمته في الوقت الحالي  . في النهاية اشارت وثائق الوزارة بوجود اتفاق فرنسي بريطاني امريكي للاعتراف بالانقلاب عند نجاحه .(7)

عيّن (حسني الزعيم) (محسن البرازي) كرئيس للوزراء ,فقد كانت علاقة (محسن البرازي) حسنة جدا مع الزعيم , فهو السبب في اخراجه من السجن و اقناع القوتلي بتعيينه في قوى الامن الداخلي , ولكن البرازي حاول اقناع الزعيم بإعادة القوتلي للرئاسة و التراجع عن قراره او حتى اعطاءه صلاحيات يحكم من خلال القوتلي بدلا من الوضع الحالي لكنه لم ينجح (8) فاستطاع الزعيم أن يضغط على القوتلي ليستقيل ويكتب استقالته وهو في المستشفى بتاريخ 6/4/1949 وفي اليوم التالي قدم خالد العظم استقالته هو الآخر(9) .

 بالنظر لسياسات (حسني الزعيم) تعتبر فترته نشطة جدا , فهو كان معاديا للمشروع الهاشمي بشدة , ومن اجل اثبات ولائه للولايات المتحدة قام بزج الشيوعيين بالسجون . كذلك كان أول من ساوى بين المرأة و الرجل في الحقوق و الواجبات الامر الذي سبب هزة عنيفة في المجتمع السوري المحافظ , كما أنه جعل التعليم إلزاميا و مجانيا , وألغى نظام الطائفية , وقام بترفيع اصدقائه من الضباط كان على رأسهم زميله (سامي الحناوي) الذي رفعه لرتبة زعيم (عميد) و تسريح اخرين اتهمهم بالفساد ,وفي 16/7/1949 قام باستفتاء شعبي فاز فيه برئاسة الببلد بنسبة 99% , وقام بجلد 12 خبازا امام افرانهم لادانتهم ببيع الخبز المغشوش , وقام بتوقيع اتفاقية انابيب التابلاين كما الغى الطربوش و الرتب المدنية, و أعلن سخطه على الزي العربي التقليدي , وانتشرت النساء المتحررات في النوادي الليلة يرقصن على الموسيقى الامريكية (10), لكن ربما كانت احدى اكبر اخطاء الزعيم التي ادت لمقتله هي تسليم (انطون سعادة) زعيم الحزب القومي السوري الى لبنان الذي اعدمه في 8/7/1949 بعد اعن اعطاه الامان ,وبسبب ذلك نقم عليه الدروز بشدة الذين كان معظمهم ينتمي للحزب القومي .

اسقاط  الزعيم , ساعد (حسني الزعيم) في انقلابه مجموعة من الضباط كان أهمهم 4 ضباط مسيحيين (بهيج كلاس) (آرام كره موكيان) (باصيل صوايا) (انطون البستاني) و ضابط نصيري (عزيز عبدالكريم) و شيعي من لبنان (محمد صفا) و كان الاكثرية الباقين من الاكراد او ذوي الاصول الكردية (سامي الحناوي) (اديب الشيشكلي) (محمود شوكت)(بكري قوطرش) (رفعت خانكان) (11) , وكان معظم هؤلاء شاركوا لاحقا في الانقلاب عليه , لكن كيف حصل ذلك ؟. استطاع الزعيم كسب عداوة الهاشميين في العراق و الاردن بعد رفضه لمشروع الهلال الخصيب و تقاربه اكثر من السعودية و القاهرة العدوتان الرئيسيتان للملك عبدالله بن حسين و نوري السعيد , كما اثار نقمة الدروز بعد تسليمه ل(انطون سعادة) والتسبب في اعدامه و كذلك لريبته في الدروز حيث كان يخشى من بريطانيا ولا يثق بها ويشعر بأنها تحيك المؤمرات ضده ,فأرسل الوحدات العسكرية نحو جبل الدروز تحسبا لذلك , وكان الدروز يرون في هذا الامر تهديدا لهم (12). فدبرت الحكومة العراقية انقلابا على حسني الزعيم لم يكن قائده سوى (سامي الحناوي) نفسه و صديق الزعيم (بهيج كلاس) وكان الدروز رأس حربة التنفيذ حيث ابرز اسمين ارتبطا بمقتل الزعيم هما (فضل الله ابو منصور) و (امين ابو عساف) وكان هؤلاء يتحركون بتحريض مباشر من (اكرم الحوراني) نفسه .
في ليلة 14 آب/اغسطس 1949 تمت رشوة رئيس الحرس الخاص بمنزل الزعيم وهو النقيب (خالد عيسى) بمال كثير سلّمه له الضابط (عصام مريود) المتعاطف مع الحزب القومي , واتجه الملازم اول(فضل الله ابو منصور) وكان من الدروز الناقمين عليه , بقواته نحو منزل المشير الزعيم ,فوجده بملابسه الداخلية في الصالون فصفعه على وجهه بلؤم واتهمه بالخيانة و اعتقل ايضا معه رئيس وزرائه (محسن البرازي) من منزله ,وبينما هما على طريق المزة الصحراوي شاهد البرازي مفرزة الاعدام فانهار من رعب المنظر وقال له الزعيم بالفرنسية "كن رجلا ,الموت واحد"(13) , يروي صبري العسلي القصة قائلا "عندما نزل الزعيم و البرازي من السيارة على طریق المزة المقفرة لإعدامهما، قال للجنود الذين أشهروا رشاشاتهم و بنادقھم: أنا حسني الزعيم، أنا الذي جعلت لكم كرامة، وللجيش ھیبة، أتقتلوني بدلا من قتل هؤلاء الكلاب السكارى ؟! و بالفعل ادار الجنود اسلحتهم نحو الضباط واشتبكوا بالايادي , ثم انهمرت النيران على الزعيم و البرازي و استمر اطلاق النار زهاء 5 دقائق كاملة كان الرصاص خلالها يخترق جسمه كخيط من نار , ثم داس الضباط جثته (14) يقول (حسن الاطرش) في دفاعه عن الدروز قائلا لم أوافق على مقتل حسني الزعيم، وبكفي أن يقبض علیه  و يودع السجن ولكن الحوراني قام من وراء ظهري بعقد اتفاق مع عدد من الضباطا لدروز الذين كان لمعظمهم صلات بالحزب القومي السوري، وكان لدیھم سببان للسعي إلى  الانتقام، وذلك أنهم دروز وقومیون سوریون متحمسون للثأر "(15) وانكشف دور الهاشميين في دعم الانقلاب حيث كانوا اول من ارسل وفود التهنئة والاعتراف و سرت في الصحافة اخبار أن مقتل الزعيم و البرازي لم يكلف حكومة (نوري السعيد) سوى 100 الف دينار (16) لتنتهي  صفحة (حسني الزعيم) الذي كان (قابيل) انقلابات سوريا ,ففتح الباب لمن بعده للقيام بالانقلابات تلو الانقلابات .

بهيج الكلاس























الأحد، 17 مارس، 2013

سوريا الاستقلال و النكبة , جيل الهزيمة (1946-1948)


"بني وطني ,هذا يوم تشرق فيه شمس الحرية الساطعة على وطنكم فلا يخفق فيه الا علمكم, هذا يوم النصر العظيم والفتح المبين" (1) هكذا استقبل (شكري القوتلي) ومن معه من السوريين يوم الاستقلال في الثامن عشر من إبريل/نيسان عام 1946, و لم يكن بإمكان القوتلي ان يعلم بأي حال من الاحوال أنه سوف يمنع من دخول وطنه هذا سنة 1967 عند سقوط الجولان (حيث منع من دخوله) الا ميتا بالجلطة على حدود وطنه (2).
شكري القوتلي عام 1947

جاء استقلال سوريا برغم صعوبته و مرارته شبه مشوها , و ربما من اكثر المفارقات عجبا , أن رجال الكتلة الوطنية ومن معهم بعد رحيل المحتل (اصبحوا الحزب الوطني بعد الاستقلال ), وجدوا انفسهم يقسمون على ان يصونوا كيانا ناضلوا ضد قيامه بهذا الشكل طوال فترة الانتداب , وهم الذين ناضلوا مع فيصل في سبيل الملكية اصبحوا الان يفدون الجمهورية الحديثة, فقد تم وضعهم ضمن الأمر الواقع في جغرافيتهم الجديدة, فدمشق مثلا منعت من وصولها الى البحر عن طريق موانئ حيفا و بيروت القريبة جدا منها , وحمص حرمت من الوصول لميناء طرابلس ,اما فحلب قطع الطريق بينها و بين ميناء اسكندرون القريب ايضا منها . مما زاد الامور تعقيدا نشوء احزاب لها اهداف متناقضة مع بعضها , فهناك الحزب(القومي السوري) الذي يحلم بإقامة دولة سوريا الكبرى , ووضع (حزب البعث) هدفه الوحدة العربية , بينما كان غالبية اعضاء (حزب الشعب) يميلون لإقامة (الهلال الخصيب) بالتعاون مع الهاشميين , في حين سعى (الحزب الوطني) الى التقارب مع السعودية و مصر لمنع حدوث اختلال  في توازن القوى الإقليمية (3) , وربما لهذه الاسباب التي جزأت بلاد الشام , اثرا في نفس تشرشل جعلته يقول للقوتلي سنة 1945 "لن نرغمكم على شيء ,اريد فقط هدوءا و استقرارا . لا اريد ان اسمع بحركة تخل بأمن المنطقة "(4) . كان تشرشل ينظر للمستقبل , فالمنطقة كانت عبارة عن آتون مشتعل من الاحداث , و لم تكن كثرة الانقلابات هي الترجمة الوحيدة لمخاوف تشرشل المستقبلية. فقد صعب على الناس في تلك الفترة ان يتقبلوا ان يعيشوا ضمن واقع ان فلسطين اصبحت جزءا مستقلا عن بلاد الشام ,ناهيك عن كونه يتعرض لخطر الاحتلال اليهودي , فالمناطق التي كانت تعد جزءا واحدا مثل الحدود بين سوريا و لبنان وفلسطين و تركيا ,والتي لا تفصلها حدود طبيعية فهي عبارة عن مجموعة من القرى المتجاورة, اصبحت  تعيش وفق حدود رسمها لهم الاجنبي . و لم يتوقف الامر عند هذا الحد ,فزاد الامر سوءا تراشق تهم (التآمر) (الخيانة) و(العمالة) التي يرميها السياسيون و العسكر بلا حساب , يقول المؤرخ (بشير زين العابدين) "اصبحت تلك الكلمات جزءا لا يتجزأ من قاموس المصطلحات السياسية السورية في مرحلة ما بعد الاستقلال" وذلك بسبب الاختلاف على كيفية تحقيق الوحدة المنشودة (5).و من اكبر المشاكل التي تركت أثرا لم يمحى حتى هذا اليوم ,تلك هي مطالب الأقليات , فقد كانت الاقليات قبل وصول الانتداب لا تفكر في ان تكون جزءا من جهاز صناعة القرار او ان تتنصب الاماكن الحساسة ,ناهيك عن ان تحكم البلد , سبب ذلك هو تدليل المستعمر لها ورضوخها هي الأخرى لهذا الدلال  ,فالأقليات على عهده اصبحت تملك الاسلحة وتحظى بحماية الفرنسي لها , و غدت لها نوع من السلطة سواء كانت عبر الدويلات التي اقيمت لها , او عبر ضمها في القوات الفرنسية  , فبعد ان ذاقت طعم السلطة أمست لا تفكر الا في الحصول عليها او على أي نوع من الامتيازات . يقول القنصل البريطاني في دمشق (شون) في تقريره المرسل بتاريخ 27/4/1945 "لقد أفسد الفرنسيون ابناء الطوائف بإضفاء الحماية عليهم و تفضيلهم على غيرهم وبالتالي زرعوا في نفوسهم الاستعلاء  مما جعلهم يبالغون في المطالبة بحقوقهم او التعبير عن مظالمهم"(6) واتضحت اولى نتائج هذا العمل في تمرد (سليمان المرشد) و تمرد الدروز خلال اول سنة من الاستقلال و جدير بالذكر أن الدروز (من آل الاطرش خصوصا) لم يحضر احد منهم احتفالات الاستقلال في دمشق , و لكنهم  في المقابل حضروا تنصيب امير الاردن عبدالله بن حسين ملكا(7) .
سلطان و حسن الاطرش عام 1946

في اواخر عام 1946 بدأ الوهن و الضعف يظهر على حكومة الجابري المريض (حيث كان رئيس وزراء ووزير الخارجية وقتها) في سوء ادارتها  , وجاء بيان (سلطان الاطرش) ليزيد الامور سوءا حيث قال "اذا كنا نصبر على بعض التصرفات فإن ذلك من حرصنا على وحدة الصفوف , ولكن السكوت على هذه الاعمال هو من الغباوة ان لم نقل من الخيانة ,و قد اصبح وزير الداخلية ديكتاتورا ,و إننا نحذر الحكومة من سوء العواقب "(8) , لم يسأل سلطان الأطرش عن (وحدة الصفوف) عندما تمرد على الدولة العثمانية و اخذ يراسل ابن عمه (سليم الاطرش) الذي كان قائد حامية عثمانية في السويداء , يحضه على ترك التعاون مع العثمانيين ويشتمهم بشدة بينما يكيل بالمدائح للإنجليز (9) كما أن وحدة الصفوف هذه التي كان يدعوا إليها اختفت عند احتفالات سوريا بالاستقلال التي غاب عنها , فلا نعلم هل يقصد بها وحدة الصف مع صديقه الحميم ,الذي أكرمه بلقب (باشا) الملك (عبدالله بن حسين) الذي كان السبب الرئيسي في هزيمة 48 ,و سنرى ايضا ان وحدة الصفوف اختفت عند ثورته على حكومة الاستقلال  عندما هوجم موظفي الحكومة و دمرت المباني و اتلفت الممتلكات مما اضطر موظفي الحكومة المركزية الى الفرار من جبل الدروز (10) و سنرى لاحقا كيف عادت هذه الرغبة في الوحدة عندما خفت لهجة سلطان الأطرش بشكل كبير في الوقت الذي هدد فيه (حافظ اسد) وزير الدفاع سنة 1966 بقصف جبل الدروز.بالعودة  لبيان (سلطان الأطرش), اوفد الرئيس القوتلي وزير العدلية (خالد العظم) الى منزله لتهدئة الامور و في نهاية اللقاء صرّح الأطرش بعدم انتمائه لأي حزب و انه يعيب على الحكومة عدم اخذها برأيه, و نتيجة لتلك الاحداث و مرضه, استقال (سعد الله الجابري) في 26/12/1946 و عيّن (جميل مردم) بمنصب (رئيس وزراء ووزير داخلية و صحة ) بينما استلم (نعيم الانطاكي) وزارة الخارجية و ظهر اسم (احمد الشراباتي) احد اعمدة هزيمة 48 كوزير للدفاع و عيّن (عدنان هاشم الاتاسي)  الذي كان اول سفير لسوريا في فرنسا , وزيرا للعدل , وفي السابع من إبريل/نيسان 1947 , ذلك التاريخ المشؤوم , نشر( ميشيل عفلق) و (صلاح الدين البيطار) بيان حزب الاحياء العربي المعروف ب(البعث) و الذي يعتبر تاريخ تأسيسه ,
و قبله في عام 1943 انشئ حزب (العربي الاشتراكي) بقيادة اكثر شخصيات سوريا إثارة للجدل (أكرم الحوراني) واللذان اندمجا لاحقا سنة 1953 تحت اسم (حزب البعث العربي الاشتراكي).
مؤسس حزب العربي الاشتراكي أكرم الحوراني

في يناير/كانون الثاني 1947 عقد مؤتمر لندن لمناقشة قضية فلسطين , فأوفدت سوريا وفدا من عضوين فقط هما (فارس الخوري) و (عادل أرسلان) , ولم تتأتى هذه المناقشات بشيء. بينما في سوريا كان الوضع اكثر تأزما , فالفئة الحاكمة عانت من احزاب انتهازية تغلب عليها المصلحة الشخصية , و عانت اكثر من قلة خبرتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية و الادارية المتلاحقة , لم تكن اولها قضية اختلاسات دوائر الميرة التي سرح بسببها 80 موظفا و احيل 330 اخرين للقضاء بسبب قضايا فساد, ولم تنتهي بمشاكل الاحتكار والتلاعب بالأسعار , حتى ظهرت ازمة لبنان و سوريا نتيجة تصريح ل(جميل مردم) بخصوص تزوير الانتخابات في لبنان , وبسبب هذا التزوير ظهرت موجات من الصراع بين الاطراف المتنازعة ادت لسقوط العديد من القتلى و الجرحى حتى وصل الأمر بأنصار (عبد الحميد كرامي –والد رشيد كرامي-) في طرابلس الى رفع العلم السوري فوق سراي المدينة و سقط جراء ذلك جرحى و قتلى , فوجدت الاحزاب السورية تلك فرصة للمناداة بإسقاط الحكومة المردمية  حيث برز (أكرم الحوراني ) ليهدد بإشعال الامور قائلا "إن ما حدث في لبنان لن يكون شيئا مذكورا الى المتوقع حدوثه من قبل الفئة الحاكمة في سوريا " , و تأزمت الامور أكثر عندما قام انصار (الحزب الوطني) بالضغط ترهيبا او ترغيبا على الناخبين لانتخاب (الحزب الوطني) حتى اقتيد بعضهم للسجون و اشتكى الوجهاء مثل الشيخ (كامل القصاب)من هذه التصرفات , ولم يكن الحزب الوطني استثناءا , فالأحزاب السورية الرئيسية في تلك الفترة (الشعب و الوطني)لم تمتلك فكرا او ايدلوجية واضحة ,فتغلبت عليها المصلحة الشخصية ترجمتها تلك الافعال و انعكست قلة الوعي السياسي بصورة مروعة عندما تنافس اكثر من 1800 مرشح على 140 مقعدا نيابيا !فاضطر المجلس الى الاعتراف بالصيغة الفرنسية سنة 1930 التي تفرض المحاصصة الطائفية (11) ,و استمرت هذه الحوادث فترة من الزمن اضاف عليها تمرد (آل الاطرش) مزيدا من الشغب , فبعد تحالف (الحزب الوطني) مع العشائر الاكثر فقرا(آل أبو عسلي) والمنافسين ل(آل الاطرش) , حيث وجدت عشيرة (ابو عسلي) فرصة للظهور على حساب الأطرش بنجاحها في الانتخابات , فتمرد آل الأطرش وحدثت فتنة كبيرة بين العشيرتين ,و بالرغم من كون (آل الاطرش) وبشكل خاص (سلطان) صديقا ل(عبدالرحمن الشهبندر) الذي ترأس حزب الشعب السابق (اصبح حزب الهيئة الشعبية بعد الاستقلال) الا ان فوز (آل ابو عسلي) بالانتخابات وانضمامهم لحزب(الهيئة الشعبية) , لم يشفع ل(الهيئة الشعبية , وربما الشهبندر نفسه لو كان حيا) هذه الصداقة , فأخذ (سلطان الأطرش) يهاجم الحكومة و يتهمها بالانحياز لجانب من سماهم (الأعداء) فجمع أكثر من 10 الاف مقاتل اخذوا يرهبون المنطقة ليفرضوا وجودهم فيها , لكن الحكومة تجاهلتهم حتى لا تشعل الموقف اكثر , وفي اثناء سلبية تعامل الحكومة مع الازمة ,فوجئ الجميع بزيارة القنصل الامريكي في دمشق للسويداء يرافقه (فؤاد غميان) الموظف في القنصلية البريطانية وقتها , فلبث قليلا في السويداء بعد اجتماع مع (سلطان الاطرش) و ذهب بعدها الى صلخد ليجتمع بعشيرة (ابو عسلي) , وذلك من اجل إبقاء الامور مستقرة في سوريا و سرّ القنصل الامريكي عندما علم من (آل أبوعسلي) تمسكهم بالنظام الجمهوري و الحدود السورية الحالية قائلا انه مغتبط لهذا التمسك بالوحدة السورية و أن سوريا لا يجب ان تتجزأ على حد تعبيره, و يطرح السؤال نفسه هل من العجب أن تهتم الولايات المتحدة بالحفاظ على (وحدة سوريا) ؟ .عجزت الحكومة السورية تماما عن ايجاد حل للأزمة فأرسلت رسالة لسلطان الاطرش تخبره بعجزها عن حل هذه المشكلة وانهم عليهم (أي الدروز) ان يحلوها بأنفسهم , حتى جاء بالفعل وفد من مشايخ العقّال من لبنان الى السويداء فأقنعوا سلطان بالتخلي عن مطالبه حتى هدأت الاجواء و عيّن محافظ درزي على السويداء (عارف النكدي) و لم تكن الامور لتهدأ لو لم يكن المحافظ من الدروز (12).
سلطان ذوقان الاطرش
لم تكن أزمة الطرشان اكثر ما يقلق الحكومة السورية فهؤلاء الاخيرين بحكم صداقتهم مع الانكليز كانوا يستمدون الدعم من شرق الاردن و ربما كان هذا سبب استقوائهم , فقد كان الأمير (عبدالله بن حسين) في شرق الاردن يرسل الرسالة تلو الاخرى الى رئيس سوريا (شكري القوتلي) يطالبه فيها بإعلان انضمام سوريا الى الاردن تحت حكمه بعد اعلان استقلال شرق الاردن في آذار/مارس 1946 , فقد كانت (سوريا الكبرى) هوسا حقيقا بالنسبة للهاشميين ,وكان (عبدالله) اكثرهم هوسا لدرجة من الصلافة أن يقوم بإرسال رسالة الى رئيس سوريا يطالبه بالخضوع لحكمه , بل أنه في آب/اغسطس 1947 قام بالإعلان عن اجتماع ل(الحكومات السورية القطرية )لبحث خطط الاتحاد (13) ولكن الفرنسيين و البريطانيين لم يكونوا ليسمحوا بذلك , لكنهم بقوا يلعبون على احلام (عبدالله و فيصل) لإيجاد مزيد من الشروخ بين البلاد المقسمة على أيديهم . اما سوريا ,فقد تأثرت و بشكل عنيف بهذه الرغبات حيث عارضت مصر و السعودية احلام الهاشميين ,فوجدت سوريا فيهما الملاذ الآمن من الخطط الهاشمية التي صرفت مئات الملايين لإنجاح مشروعها , و بقيت تتذبذب منذ ذلك الوقت بين ما عرف لاحقا بمحوري (الرياض –القاهرة) و (عمّان – بغداد)  . في حدث آخر في الامم المتحدة ,كانت فلسطين لا تزال على الواجهة ,فبعد طرح مندوب لبنان (كميل شمعون) لاقتراح حل هو انشاء دولة شبيهة بسويسرا في فلسطين وتقسيمها قسم لليهود و آخر للعرب , طلب (فارس الخوري) تأجيل هذا المشروع بينما اعترضت عليه امريكا قبل طرحه للتصويت ,بينما وافق الاتحاد السوفيتي عليه بسرعة و عندما طرح الاقتراح للتصويت وافقت عليه أمريكا (بعد رفضها) و فرنسا و تشيكوسلوفاكيا و البرازيل بينما عارضت جميع الدول العربية مع تركيا و إيران و باكستان و افغانستان ذلك التقسيم و استنكفت عن التصويت يوغوسلافيا و الصين و بريطانيا .(14) بينما اعترض العرب جميعهم و قالوا بصوت واحد(ان القرار هذا هو مجرد حبر على ورق ولن يتحقق) , ولكن كان ما نراه الآن.
عبدالله الاول بن حسين

حرب 1948 ,او ما يعرف بالنكبة , كانت اكبر الأسباب التي ادت للقيام بأول انقلاب في سوريا , فبعد قرار التقسيم برز السياسيون العلمانيون (المنادون بفصل الدين عن الدولة) لتصدح حناجرهم بوجوب الجهاد. بينما تمر سوريا في أزمة مالية حادة اذ انها كانت تعاني من عجز في الميزانية بلغ 435 مليون ليرة سوريا (15)  وتعاني بالاضافة لذلك من ارتفاع نسبة التضخم و البطالة ولم تكن قضية فساد وزير المالية التي اختفت في وزارته 4200 دفتر وصولات  او استخدامه هو ووزرائة 5 سيارات لاغراضهم الشخصية هي الأخيرة(16) , ففي تقرير للمفوض الامريكي في دمشق الى وزارة الخارجية الامريكية تحدث فيه عن وقوع اختلاسات في وزارة الداخلية ووزارة العشائر ووزارة المالية تزيد عن 300 الف ليرة وكانت وزارة المالية لوحدها حدث فيها خلال اقل من سنة 3 قضايا اختلاس وصلت في مجملها الى 650 الف ليرة سورية (17) كما كانت قضية انابيب (التابلاين) تشغل بال السياسيين الذين وجدوا فيها منقذا لمشاكلهم المالية المفجعة ,لكنها  نتيجة لأحداث فلسطين تعرقلت المفاوضات معها , فتزامن مع ذلك انقطاع للبنزين و الكاز و المازوت فعانى الشعب من البرد و انقطاع الكهرباء عنهم (18) . تحت هذه الظروف استطاع السوريون  جمع نحو مليوني ليرة لشراء الاسلحة , بينما استقال بعض الضباط من الجيش للخدمة في جيش الانقاذ تحت قيادة (فوزي القاوقجي), في حين وضعت قيادة جميع الجيوش العربية تحت يد أمير شرق الاردن (عبدالله بن حسين) لأن شرق الاردن ستكون هي ساحة المعركة  و في تلك الايام الحرجة قام احد قادة الدروز (نهاد ارسلان) بحركة استهدفت اعمالا تخريبية لإثارة الشغب و الفوضى ادت لسقوط ضحايا سيرت على اثرها الحكومة اللبنانية قوات من الدرك لتشتت شمله و من معه فقتل من قتل و هرب من هرب مع قائدهم الذي اختفى (19) . اكثر المفارقات المثيرة للسخرية في تلك الحرب ان الجيوش التي وضعت قيادتها في يد (عبدالله بن حسين) كان جيشه هذا الاخير بقيادة بريطاني خبيث هو (جلوب باشا) , فهل نملك حق السؤال "كيف انتصر اليهود" في حين ان العرب وضعوا مصيرهم في يد من جاء أصلا بالعدو الذين هم ذاهبون لقتاله ؟ ربما سبب الهزيمة هو ان تعداد جميع الجيوش العربية(مصر ,الاردن ,سوريا,لبنان ,العراق) وقتها لم يتجاوز 21 الف مقاتل ,بينما كان عدد مقاتلي الصهاينة 60 الف مقاتل (برغم التفوق السكاني 40 مليون عربي مقابل 600 الف اسرائيلي) , وربما كان السبب هو قبول العرب بالهدنة التي فرضتها عليهم الامم المتحدة ,فاستغلها اليهود لشراء المزيد من الاسلحة من يوغوسلافيا ,بينما العرب جالسين فاغري افواههم للسماء. وللخوض في اسباب الهزيمة النكراء و النكبة المخزية احاديث كثيرة لا يتسع المقام لها , لكن كان لهذه الهزيمة اسوأ اثر على سوريا التي بسببها ازداد الفصام بين العسكر و السياسيين فمهدت لحدوث اول انقلاب في تاريخ سوريا فتح لمن بعده القيام بالمزيد من هذه الانقلابات , فلم تكد سوريا تلملم جراحها من الهزيمة حتى صدمت بكارثة الانقلابات .

رئيس وفد سوريا في الامم المتحدة فارس الخوري عام 1948

الأربعاء، 13 مارس، 2013

سوريا الاستقلال , بريطانيا تنقذ الموقف (1943 -1946)


بعد وفاة تاج الدين الحسني رئيس سوريا , عيّن عطا الأيوبي رئيسا مؤقتا للبلاد , وفي اثناء فترته الانتقالية شاعت في سوريا ازمة خبز , حيث احتكر التجار في تلك الفترة الحرجة الحبوب ليبيعوها  في الاسواق السوداء بأسعار باهظة بينما كان اصحاب الأفران يخلطون الدقيق مع مواد غريبة و الناس لا تكاد تجد خبزها و ان وجدته يكون مغشوشا , فاحتج الناس و تظاهروا غضبا و أقفلوا محلاتهم و اسواقهم , و يا سبحان الله لبلد يثور سكانه لخبزهم بينما المحتل على ارضهم في اضعف حالاته و ارضه محتلة و لا يثوروا عليه ليستردوا الارض و الخبز معا , بل إن الجنرال الفرنسي (كوليه) خرج في تصريح له بأنه سيتعاون مع الحكومة السورية للحفاظ على سعر الخبز و انهاء حالات الشغب في البلاد (1) فأي هزال كان يمثل استقلال لا يقوى فيه  حكام البلد المستقل على ردع مشاغبيه  دون مساعدة المحتل .
كان ضعف قوة فرنسا اثناء الحرب العالمية سببا كافيا لبريطانيا لأن تسد هذا الضعف حيث اخذت باستمالة الاقليات الدرزية و النصيرية و اخذت فرنسا تحاول كسب ثقة هذه الأقليات اكثر حتى استقبل الجنرال (جورج كاترو) الزعيم الدرزي (سلطان الأطرش) في بيته و رحب به ترحيبا حارا واصفا إليه بالشخصية الوطنية الصادقة بعد ان كان هاربا و متمردا على فرنسا, وهذه المنافسة جعلت فرنسا تستاء جدا من بريطانيا لدرجة ان الجنرال (ديغول) نفسه اخذ يصارح السفير البريطاني في باريس بأن بريطانيا هي السبب وراء كل المشاكل في سوريا(2). وكان لبريطانيا اثر لتغير فرنسا سياستها و اوعزت للنصيريين و الدروز بقبول الاتحاد مع الدولة السورية فأنزل علمي دولة العلويين و الدروز و رفع مكانهما علم الاستقلال السوري و لكن فرنسا طمعت و اخذت تماطل في تسليم الجيش للبلاد و تحاول الحصول على ميزات اكثر تخرج بها من سوريا الجديدة.
عشاء على شرف الجنرال الفرنسي (جورج كاترو) سنة1943 حيث يجلس اعضاء الحكومة السورية معظمهم من الكتلة الوطنية مع الضباط الفرنسيين

تم انتخاب (شكري القوتلي ) كرئيس لسوريا (1943- 1949) بعد ان رضي الانكليز و الفرنسيين عنه , حيث يقال أن القوتلي اقنع البريطانيين عن طريق (ميخائيل اليان) بأنه لن يوقع معاهدة مع الفرنسيين , و اقنع الفرنسيين عن طريق (بهيج الخطيب) بأنه سيقوم بتوقيع المعاهدة و تعهد القوتلي للخطيب بأن يحفظ له وفاءه ويرعى وده , فتم انتخابه كأول رئيس لسوريا المستقلة في 17/8/1943 , و عيّن (سعدالله الجابري) رئيسا للوزراء و كان اول مرسوم اصدره هو  صرف (بهيج الخطيب) وزير الداخلية من الخدمة (3) و اصبح (فارس الخوري) رئيسا لمجلس النواب . و ظهرت للعلن و بقوة قضية فلسطين التي كانت تتعرض لعملية تهويد فاحشة و شراء اراضي و ازدياد في اليهود المهاجرين المسلحين اليها , فقام رئيس وزراء العراق (نوري السعيد) بطرح فكرة (سوريا الكبرى) او (الهلال الخصيب) و هو حلم يدغدغ احلام (امير شرق الاردن عبدالله بن حسين و الهاشميين) و اعطاء اليهود استقلالا ذاتيا , وكان قد طرح هذه الفكرة من قبل على وزیر الدولة البریطاني لشؤون الشرق الأوسط (ريتشارد كاسي) , و بينما القضية تحتدم اكثر و تأخذ شكل اجتماعات مكوكية بين وزراء الخارجية حدث امر غريب في منتصف عام 1944 , فقد استقالت جميع الوزارات العربية دفعة واحدة , حيث استقالت وزارة (مصطفى النحاس) في مصر و حل مكانها (احمد ماهر) , و استقالت وزارة (نوري السعيد) في العراق و حل مكانه (حمدي الباجه جي) , واستقالت وزارة (سعدالله الجابري) و حلت مكانها وزارة (فارس الخوري) و استقالت وزارة (رياض الصلح) في لبنان و حلت مكانها وزارة (عبدالحميد كرامي) و في شرق الاردن استقالت وزارة (توفيق ابو الهدى) و حلت مكانها وزارة (سمير الرفاعي) (4) و لانعلم سبب الاستقالات بشكل واضح , لكن (نوري السعيد) و (توفيق ابو الهدى) كانا من اكثر الشخصيات موالاة للبريطانيين و اليهود في فلسطين .

احتفال تجار البزورية في دمشق بالرئيس شكري القوتلي في 23 آب  1943 حيث يجلس اعضاء الكتلة الوطنية (هاشم الاتاسي وجميل مردم و سعدالله الجابري)


و كانت سوريا بالرغم من معاناتها للحصول على الاستقلال تعاني من عجز فاحش في ميزانيتها , فقد بلغ العجز في الميزانية السورية عام 1944 حوالي(47 مليون ) ليرة (وهو مبلغ مهوول في تلك الفترة) و ارتفع اكثر هذا العجز ليصل الى 97 مليون عام 1945 ثم 181 مليون عام 1946 و لم ينتهي عام 1948 الا و قد وصل الرقم الى 435 مليون ليرة سورية (5) .و اجتمع عام 1945 الزعماء العرب من مصر و اليمن و السعودية و سوريا و لبنان و شرق الاردن و العراق (لم توجد فلسطين) مع (تشرشل) رئيس وزراء بريطانيا و (ثيودور روزفيلت )رئيس الولايات المتحدة , وبعدها بشهر او اثنين اقترحت بريطانيا على العرب تأسيس جامعتهم العربية , من اجل تسهيل التعامل مع العرب بدلا من التعامل معهم كلا على حدة , وانشئت الجامعة العربية في 22/اذار/مارس سنة 1945م من الدول ال7 السابقة و كان اول رئيس لها (عبدالرحمن عزام) . وفي 28/3/1945 دعت الولايات المتحدة الدول الكبرى (فرنسا و بريطانيا و الاتحاد السوفيتي) لمؤتمر (سان فرانسيسكو) , وقامت بدعوة وفدي لبنان و سوريا اليه , و تكون الوفد السوري من 6 اشخاص (3 منهم مسيحيين ) ترأسهم (فارس الخوري) و كانوا من اوائل من ناقشوا وضع ميثاق الأمم المتحدة  .
بالرغم من انشاء جامعة عربية لم تحصل اغلبية دولها على استقلالها حيث كانت معظمها لاتزال واقعة فعليا تحت الانتداب الفرنسي او البريطاني , الأمر الذي ظهر اثره بوضوح عندما انتهت الحرب العالمية الثانية مباشرة ,حيث اخذت فرنسا تنزل قواتها الى الشواطئ السورية و اللبنانية و طالبت بإبقاء الجيش اللبناني و السوري تحت القيادة الفرنسية , فأضربت المدن السورية في ربيع عام 1945 (ولم يمضي سوى بضعة اسابيع على تأسيس الجامعة) و اعلن النواب في البرلمان (الجهاد) و بدأ المتطوعون بالتدرب على السلاح لمحاربة الفرنسيين و اخذت النساء يعالجن الجرحى و المصابين , وكثرت الاشتباكات في انحاء سوريا حتى اذاع راديو لندن في 26/5/1945 ان السوريين تمكنوا من احتلال مدن حلب و حماه و حمص و اخراج الفرنسيين من معظم الحاميات الفرنسية , لكن بعد 3 ايام حصلت (مجزرة البرلمان )الشهيرة .
مظاهرات في دمشق للتنديد بالانتداب الفرنسي 1945

في مساء الثلاثاء 29/5/1945 في اجتماع لنواب البرلمان ,و بينما الناس ينتظرون نتائج تلك الجلسة في الخارج, فوجئوا بالمصفحات الفرنسية تحاصر المكان و قوات (الشرق الخاصة) تجتمع حول المكان ,و دون أي انذار أخذت القوات الفرنسية تطلق نيرانها على البرلمان بمن فيه و خرج النواب مذعورين و الناس تتزاحم تبحث عن مأوى من مطر الرصاص و القذائف ,و لكون معظم المقاومين المسلحين من الدرك السوري قامت المدفعية الفرنسية بقصف قلعة دمشق التي كانت سجنا و مركزا للدرك فقتلت مئات المساجين و عناصر الدرك , اخذت القوات الفرنسية تضرب دمشق بلا هوادة بينما قامت الطائرات الفرنسية بقصف مدن سوريا في حلب و حمص و حماه و دير الزور و الرقة و درعا , و اخذ الجنود الفرنسيون بالتمثيل بجثث السوريين و انهمك جنودها من (قوات الشرق الخاصة) بكسر المحلات و سرقتها و احراقها بعد نهبها . وللحق فقد قاوم السوريون لكنهم لم يملكوا ما يمكنهم من صد الدبابات و الطائرات . وكان للقصف أن يستمر اكثر , لولا بريطانيا التي هددت فرنسا بضربها  بالمدفعية المتمركزة في جنوب سوريا ان لم تنسحب و تتوقف عن اعمال القتل , فاضطرت فرنسا للانسحاب تحت غطاء بريطاني يمنع السوريين من الاعتداء على الفرنسيين , و احتفل السوريون بدخول القوات البريطانية لدمشق واستقبلوها بحفاوة  و بدأ اجلاء الفرنسيين شيئا فشيئا تحت الحماية البريطانية (6) فظهرت بريطانيا للسوريين كمنقذ لهم بينما كانت تحاول في واقع الأمر ان تفرض الأمن في المنطقة و تقلل من الهيجان حيث استحوذت قضية امن المنطقة و استقرارها هاجس البريطانيين, وهو ما جاء على لسان تشرشل مرارا و تكرارا في خطاباته , فقد كان البريطانيين يعملون جهدهم لتوطيد حكم اليهود في فلسطين .
جانب من البرلمان بعد ضربه من قبل القوات الفرنسية

لاحقا في تموز/يوليو اعلنت فرنسا قبولها بوضع الجيش تحت سلطة الحكومة السورية , لكنها اخذت تماطل اكثر في بقائها ,كانت (الأمم المتحدة) قد انشئت في اواخر هذه السنة , و اوفدت سوريا اليها وفدا وكان اول مندوب لسوريا في الامم المتحدة هو المخضرم (فارس الخوري) . عندما رأت فرنسا ان الامور تسير في صالح السوريين , اعادوا استخدام ورقة (سليمان المرشد) الذي كان قد أسس لنفسه دولة داخل دولة حيث كان يجبي الضرائب و يعيّن المسؤولين و يقبل الهدايا و الهبات و كان له جيش خاص سماه (الفدائيين) , و(سليمان المرشد) هذا نصيري من قرية (جوبة برغال) في ريف القرداحة اخذ يبشر بخروج المهدي ثم اخذ يدّعي بأنه المتكلم باسم المهدي تارة و انه المهدي تارة و ادعى النبوة حتى انتهى به المطاف لأن يعلن نفسه (إلها)  , حتى سمى اولاده بأسماء الله (فاتح , مجيب , سميع) , وفي كل خطواته هذه كان المندوبون الفرنسيين يدعمونه منذ بداية دعوته بالسلاح و المواد اللازمة لخداع الاغبياء و السذج من النصيريين حتى التف حوله ما يقارب (40 الف نصيري) اعطاهم اسم (الغساسنة) لينسبهم  للعرب , يقول المؤرخ البريطاني (لونغريغ) "قدم الفرنسيون الدعم للحزب الانفصالي علنا و ثابروا على تأيدد الرب (نصف الشرير و نصف المضحك) البدين و الجاهل وصانع المعجزات (سليمان المرشد) ولم يكن احد قادرا على تصور بلادا صغيرة ومتأخرة (يقصد دولة المرشد المضحكة) يمكن ان تحرز مستقبلا معقولا الا اذا استمر الدعم الفرنسي لمدة غير محدودة) (7) , و استطاع ان يفرض سيطرته على شركة التبغ و التنباك الفرنسية و اخذ يغير على اراضي عائلة (شريتح) المسلمة اللاذقانية و يستولي عليها ليضمها لدويلته الهزيلة , كان المرشد أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة لكنه كان عضوا في البرلمان السوري سنة 1943 و عندما يسأله النواب عن ادعائه الألوهية كان ينفيها بشدة و يقول بأنه مسلم و هدفه إصلاحي و فقد كان اذكى من أن يدّعي الالوهية امام شخص خارج جماعته .استخدم الفرنسيون المرشد عدة مرات ليضايقوا حكومة سوريا  بعد ان اخذوا يزودونه بالسلاح ففي عام 1937 انتخب كعضو في البرلمان و في 1939 كان لديه ترسانة من الاسلحة زوده به الفرنسيون (8), و رأى المرشد بأن سلطانه سوف يزول بزوال المحتل , بعد ان تزوج 13 امرأة و اصبح بدينا من كثرة الاكل وهو الذي كان بالكاد يجد قوت يومه , فأعلن التمرد على حكومة الاستقلال و اخذ اتباعه يستولون على القرى حتى ارسلت قوات الدرك عليه و على اتباعه  فقبضوا عليه و حوكم في اللاذقية و اعدم في ساحة المرجة بدمشق في كانون الثاني/ديسمبر 1946 بعد جلاء المحتل ب 8 شهور(9) .
سلمان المرشد الرب المزيف

في مبنى الأمم المتحدة كان يسود نوع اخر من الاحداث , حيث اجتمع ممثلوا الدول في 15/2/1946 , وبرز فارس الخوري ليلقي كلمته حول ضرورة استقلال سوريا ويخاطب الفرنسيين و البريطانيين قائلا "ان وجود البريطانيين و الفرنسيين في بلادنا كان لطرد الأعداء و عندما اتموا مهمتهم طلبنا منهم الانسحاب و كنا نقابل بالانتظار , لذا فنحن نطلب من مجلس الامن سحب القوات الاجنبية من سوريا و لبنان) , فكان رد المندوب الفرنسي بأن وجود فرنسا ضروري لفرض السلام بينما ناقش المندوب البريطاني ان وجود بريطانيا هو بطلب من الحكومة السورية بتاريخ أيار/مايو 1945 , واعاد مندوب لبنان (حميد فرنجية) مطالب الخوري ذاتها و طرحت امريكا اقتراحا بسحب القوات حالما يصير ذلك ممكنا بينما الاتحاد السوفيتي طالب بأن يكون الانسحاب فوريا , فتمت الموافقة على المقترح الامريكي من قبل فرنسا و بريطانيا و الامم المتحدة و رفض المندوب السوفيتي ذلك و طالب بإسقاط المقترح  الامريكي , فوافقت بريطانيا و فرنسا على طلب المندوب الروسي (فيشنسكي) على الرغم من انهما  رفضتاه  في البداية, و انفض المؤتمر بينما لوحظ ان (بيفن) مندوب بريطانيا يربت على كتف (فيشنسكي) و على فمه ابتسامة عريضة , فعادت الوفود الى بلدانها و من بينها الوفد السوري , لكن رئيسه (فارس الخوري) بقي في لندن متعذرا بأنه سيحضر المحادثات التمهيدية القادمة . و اعلنت فرنسا و بريطانيا انها سوف تبدأ تسحب جميع قواتها من سوريا و لبنان و فلسطين في 11/3/1946 , وبدأت المدن السورية تستعد للاحتفالات , وفي دمشق تم اعطاء  الجنرالين البريطانيين (باجيت) و(بوللو) لقب مواطن دمشقي  , و اعلنت الحكومة السورية أن 17 و 18 من أبريل/نيسان  هو عيد وطني للجلاء  (10) و طبعا بينما  سوريا تستعد لهذا كله كانت فرنسا لا تزال حتى اللحظة الاخيرة تتحالف مع النصيريين حيث اشار تقرير صادر عن المفوضية البريطانية في دمشق بأن الفرنسيين قد جندوا 240 نصيري لتشكيل فرقة جديدة في القوات الخاصة و جميعهم قد اقسم على الولاء والطاعة للجنرال ديغول وتعهدو بالذهاب لأي مكان للعمل فيه (11) و لم تمر عمليات تسليم القوات الخاصة الى الجيش السوري بسلام ,فقد رفضت العديد من الفرق برفض هذه الاوامر و تمردت فقامت بإحداث الفوضى و إيذاء السكان المحليين حتى ان الفرقة الثانية من المشاة (جميعها من النصيريين باستثناء 12 مسيحي) هاجمت مخازن السلاح لمنع وصولها الى الحكومة الوطنية , ونتيجة لتكرر حالات التمرد خيّرت القيادة الفرنسية من بقي تحت امرتها بين البقاء في سوريا و بين الرحيل معها لفرنسا , فاختار بعضهم التخلي عن جنسيته ووطنه و الرحيل الى فرنسا و اختار البعض البقاء و تحدثت احد تقارير المفوضية البريطانية ان حوالي 3 الاف مجند من القوات الخاصة فضلوا البقاء تحت امرة فرنسا و بأن 2500 منهم تم تسريحهم , بينما من بين جميع قوات الشرق الخاصة استلمت الحكومة منهم 2000 مجند فقط و من بين قوات الجيش ال 13 الفا استلمت سوريا 5 الاف جندي و 3500 عنصر من الدرك اما الباقون فقد التحقوا بالمستعمر في جلائه (12), وكانت عناصر الجيش هذه التي كان معظمها من الاقليات هي نواة الجيش السوري , والتي تركت أثرا عميقا على أحداث سوريا لاحقا , و تبدأ سوريا اولى خطواتها في عصرها الجديد , الاستقلال.