الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

اسرائيل و النظام النصيري يحتويان القضية الفلسطينية :




إنكم لا تمثلون فلسطين بأكثر مما نمثلها نحن ,و لا تنسوا أمرا , فليس هنالك ما يسمى بالشعب الفلسطيني و ليس هناك كيان فلسطيني , بل سوريا و انتم جزء لا يتجزأ من سوريا و إذ فنحن المسؤولون السوريون , ونحن من يمثل الشعب الفلسطيني " كان هذا جزءا من خطاب لحافظ الوحش الى ياسر عرفات سنة 1976 (1) , لم يكن ما يهم هو الكيفية التي جعل بها حافظ فلسطين جزءا من سوريا , فقد كان حافظ يسعى نحو امتلاك حق تمثيل القضية الفلسطينية و نزعها حتى من أهلها لو احتاج الأمر لذلك .



في الثامن من يناير / كانون الثاني عام 1976 صرح (شمعون بيريز) ويزر الدفاع في جريدة معاريف الاسرائيلية قائلا"إن اسرائيل لن تقف مكتوفة الايدي اذا تدخلت سوريا في لبنان" , لكن القوات السورية دخلت لبنان بالفعل و ذلك في 18/1/1976 , أي بعد عشرة ايام من تصريح بيريز , قد يبدو الامر ان حافظ تحدى بيريز و دخل لبنان . لكن التصريحات الاسرائيلية و حتى الامريكية المتتالية جاءت لتثبت واقعا مغايرا تماما .

في الحادي و العشرين من يناير / كانون الثاني (بعد 3 ايام من دخول قوات حافظ لبنان) نقلت وكالات الانباء الامريكية عن المتحدث الرسمي بإسم البيت الابيض (رون نيسن) قوله "إن الرئيس فورد تخلى عن معارضته لتدخل عسكري خارجي في لبنان , و إن الولايات المتحدة كان من الضروري عليها أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة مآرب سوريا و نواياها" , بعدها ب8 ايام نقلت وكالة الانباء الفرنسية عن متحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية "إن الولايات المتحدة تعترف بأهمية الدور الذي تقوم به سوريا بالنسبة لتسوية الازمة اللبنانية"(2) , في وقت لاحق نشرت وكالة اليونايتد برس الامريكية من واشنطن في 27/1/1976 (وزارة الخارجية الامريكية أكدت بأنها تقوم بنقل الرسائل من اسرائيل الى سوريا حول الوضع في الجنوب اللبناني" , فما الذي حدث ؟

لمعرفة الحقيقة , لا بد من الرجوع قليلا بالزمن للوراء , و تحديدا في 31 مايو/ نيسان من عام 1974 , بعد بضعة شهور من حرب 73 ,عقدت اتفاقية ما يسمى ب(فك الاشتباك) المعروفة باتفاقية سعسع بين سوريا و امريكا والتي تراجعت بموجبه القوات السورية مسافة 15 كم شمال القنيطرة , كان مهندس الاتفاق هو اليهودي وزير خارجية امريكا (هنري كسينجر) , وأعلن الرئيس الامريكي وقتها (ريتشارد نكسون) نبأ الوصول الى اتفاق قصل القوات على جبهة الجولان بعد الهزيمة الجديدة الاخرى لقوات حافظ (3) وبالطبع كان هذا يعتبر نصرا مؤزرا على الجانب السوري , حيث بعد التغني بنبرة عدم التفاوض مع العدو , جلسوا معه مباشرة في مؤتمر جنيف عام 1974 , ولكن هذا لم يكن سوى مقدمة لما أهو اهم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية . فقد اتفق الزعماء السوريون وقتها على أنهم سوف يعارضون و يوقفون عمليات التسلل للفدائيين من الاراضي السورية , ولكنهم لن يعلنوا هذه المعارضة او يضمنونها نصيا في اتفاقية فصل القوات (4) يقول (كمال جنبلاط) "لقد عارض الامريكيون و الاسرائيليون في بادئ الامر الاحتلال المباشر للبنان , غير أنهم عادوا بعد ذلك حين عرفوا بطموح النظام السوري و عزمه على الخلاف من استقلالية منظمة التحرير الفلسطينية و شجعوا المغامرة العسكرية ,فكان على عرفات و علينا ان ندافع عن انفسنا ’ و فوق ذلك كانت سوريا ترى في التلاحم الفلسطيني اللبناني العملي و التعاون بين الثورة الفلسطينية و الوطنيين اللبنانيين خطرا يهددها بالامتداد و زواجا سيئا لابد من فصل عراه مهما كان الثمن" (5) , علينا الاخذ بعين الاعتبار ان جذور الكراهية بين منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت الممثل الشرعي و الوحيد للفلسطينيين وقتها ,قديمة مع حافظ الوحش , ففي عام 1967 تم سجن ياسر عرفات وعدد من رفاقه في دمشق (6).

نشرت جريدة الجماهير الصادرة في استراليا لاحقا في الثاني و العشرين من اكتوبر /تشرين الاول ما يلي " حضر رفعت اسد الى مدنية جونيه اللبنانية و عقد اجتماعا مع (دين بروان) مبعوث الرئيس الامريكي و اتفق على ما يلي :
1-دعم ومساندة النظام السوري و السماح للمخابرات الامريكية بتواجد اكثر في سوريا لكشف المخططات المعادية للنظام
2 إبقاء المبادرة السوریة في لبنان، والإبقاء على إخفاء صفة الشرعیة لدخول الجیش السوري إلى لبنان
3 قیام نشاط إعلامي سوري عربي من أجل إنجاح الدور الأمریكي السوري في لبنان
4 تأخذ سوریا على عاتقھا وضع المقاومة تحت سلطاتھا وضرب الیسار في الداخل والخارج
5 تتعھد أمریكا لسوریة بعدم تحرك إسرائیل على الجبھة السوریة، تمكینا لًسوریة من تنفیذ عملھا في لبنان جریدة الجماھیر"(7)

فقد كان دخول الجیش السوري إلى لبنان إنقاذا لًلموارنة من ھزیمة عسكریة، كما كان ايضا تحجیما لًدور منظمة التحریر والقوات الوطنية في لبنان وقابل زعماء الموارنة موقف الوحش منهم بالارتياح والرضى . ففي 16/6/1976 نقلت جريدة الاهرام تصريحا لكميل شمعون وزير الداخلية اللبناني (ثاني رئيس للبنان سابقا) " لقد اتفقنا مع سوريا على خطط ترضينا"(8) , وبعدها بشهر ونصف في 9/8/1976 نقلت وكالات الانباء بأن كميل شمعون وزير داخلية لبنان وصل الى دمشق للتباحث مع حلفائه السوريين ولتنسيق العمل العسكري في لبنان ضد المقاومة والقوات التقدمية , و اعلن شمعون في انه يثق ثقة كاملة بالرئيس السوري , اما بيار الجميّل فقد صرح في بيروت ان سورية الدولة الوحيدة القادرة على فرض السلام في لبنان. و اعترفت الصحف الاسرائيلية لاحقا بأن وجود قوات حافظ في الجنوب انما يستهدف المقاومة و اليساريين اللبنانيين (9) فقد كان الموارنة يملكون ميليشيات (الكتائب) و قد اتخذتها اسرائيل سابقا كجدار و خط دفاع اول ضد الفلسطينيين في جنوب لبنان , فهي حليفة لاسرائيل و تدخل حافظ سنة 1976 من اجل حمايتها , وهذا ما قام به فعلا في بادئ الامر , لكنه انقلب عليهم ليضعفهم و يتحالف مع الشيعة المتمثلة في حركة (امل) للقضاء على قوتهم , وليس عليهم كما هو بديهي .

في بداية التدخل السوري في لبنان نقلت اذاعة اسرائيل تصريحا لرئيس وزراء اسرائيل و رئيس اركانها السابق (اسحاق رابين) " إن اسرائيل لا تجد سببا يدعوها لمنع الجيش السوري من التوغل في لبنان فهذا الجيش يهاجم الفلسطينيين و تدخلنا عندئذ سيكون بمثابة تقديم المساعدة لهم , ويجب علينا ألا نزعج القوات السورية اثناء قتلها للفلسطينيين ,فهي تقوم بمهمة لا تخفى نتائجها الحسنة بالنسبة لنا"(10) ’ سعى حافظ وبكل جد و اخلاص لتحجيم القضية الفلسطينية في البداية و عندما لم يستطع احتوائها ,لم يجد حرجا من القضاء عليها عسكريا , فبعد دخول لبنان و القضاء على القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية في البقاع و عكار و الجبل و صيدا , لجأت الى منع المؤن و الاسلحة من الوصول للمقاومة الفلسطينية ,بل ان السلطات النصيرية استولت على مواد غذائية كانت في طريقها من فلسطينيي دول الخليج الى لبنان (11) , ولم تكتف بذلك فأخذت تلك القوات بالتفرج اولا على قوات الكتائب التي اخدت بمحاصرة مخيم تل الزعتر في اواخر يوليو /حزيران من عام 1976 , وبقي محاصرا اكثر من اسبوعين حتى 14 اغسطس /آب , ثم اشتركت لاحقا في الحصار و تابعت الامر بأن شاركت بالاعدامات الميدانية و عمليات هتك الاعراض التي تمت لمن بقي حيا داخل المخيم , كان قائد القوات النصيرية عقيد اسمه (علي مدني) , (12) و لكن الواقع أن المستهدف الرئيسي كان المسلمون السنة . الذين لم ينجوا في طرابلس من مجازر النصيريين في سوريا او لبنان .فقد تحولت انظار حافظ و معه الى شمال لبنان حيث كان ياسر عرفات في طرابلس وقتها في اواخر عام 1983 (لاحقا تكرر السيناريو نفسه في عام 1985) ,وقاموا بالتعاون مع نصيرية بعل محسن بمحاصرة المدينة و دكها لستة اسابيع كاملة حتى غادر عرفات بعد وساطة بينه و بين محاصريه في العشرين من نوفمبر /تشرين الثاني و معه 4 الاف مقاتل فلسطيني , وتم توزيع الاسلحة الثقيلة التي كان يملكها على الجيش اللبناني الذي اعطاها في المقابل للكتائب (13) .

هناك شواهد كثيرة يمكن استنتاجها مما حصل , منها ان الضحية المشتركة كانت دوما من المسلمين , و منها أن التحالف الاسرائيلي مع الاقليات الباطنية و الموارنة هو تحالف متين , ولكن الاهم من ذلك كله , هو ما حصل لمنظمة التحرير الفلسطينية ,فقد كانت تلك هي الممثل الوحيد الشرعي للفلسطينيين , وبالرغم من الدعم التي تحصلت عليه من هنا و هناك و تحت مسميات مختلفة , الا انها لم تستطع انجاز أي شيء غير فضح حقيقة المجرمين ممن يتاجرون بفلسطين . وعلينا الاستفادة من تلك التجربة وقراءتها بتمعن , و السعيد من اتعظ بغيره .

1- هذه وصيتي : كمال جنبلاط ص 105
2- سوريا في قرن : منير الغضبان 507 -508
3- الحروب العربية الاسرائيلية و عملية السلامة : سيدني بيلي ص 306-307
4- الصراع العربي الاسرائيلي : عبدالغني النواوي : ج1 / ص457
5- هذه وصيتي : ص 94
6- المصدر السابق ص 105
7- جريدة الجماهير الصادرة في استراليا , العدد 22 تاريخ 22/10/1976
8- جريدة الاخبار المصرية عدد 16/6/1976
9- الصراع العربي الاسرائيلي : ص 477
10- المصدر السابق ص 478
11- سوريا في قرن ص 511
12- المصدر السابق ص 513
13- امل و المخيمات الفلسطينية : عبدالله محمد الغريب ص66

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق