الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

اسرائيل و النظام النصيري يحتويان القضية الفلسطينية :




إنكم لا تمثلون فلسطين بأكثر مما نمثلها نحن ,و لا تنسوا أمرا , فليس هنالك ما يسمى بالشعب الفلسطيني و ليس هناك كيان فلسطيني , بل سوريا و انتم جزء لا يتجزأ من سوريا و إذ فنحن المسؤولون السوريون , ونحن من يمثل الشعب الفلسطيني " كان هذا جزءا من خطاب لحافظ الوحش الى ياسر عرفات سنة 1976 (1) , لم يكن ما يهم هو الكيفية التي جعل بها حافظ فلسطين جزءا من سوريا , فقد كان حافظ يسعى نحو امتلاك حق تمثيل القضية الفلسطينية و نزعها حتى من أهلها لو احتاج الأمر لذلك .



في الثامن من يناير / كانون الثاني عام 1976 صرح (شمعون بيريز) ويزر الدفاع في جريدة معاريف الاسرائيلية قائلا"إن اسرائيل لن تقف مكتوفة الايدي اذا تدخلت سوريا في لبنان" , لكن القوات السورية دخلت لبنان بالفعل و ذلك في 18/1/1976 , أي بعد عشرة ايام من تصريح بيريز , قد يبدو الامر ان حافظ تحدى بيريز و دخل لبنان . لكن التصريحات الاسرائيلية و حتى الامريكية المتتالية جاءت لتثبت واقعا مغايرا تماما .

في الحادي و العشرين من يناير / كانون الثاني (بعد 3 ايام من دخول قوات حافظ لبنان) نقلت وكالات الانباء الامريكية عن المتحدث الرسمي بإسم البيت الابيض (رون نيسن) قوله "إن الرئيس فورد تخلى عن معارضته لتدخل عسكري خارجي في لبنان , و إن الولايات المتحدة كان من الضروري عليها أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة مآرب سوريا و نواياها" , بعدها ب8 ايام نقلت وكالة الانباء الفرنسية عن متحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية "إن الولايات المتحدة تعترف بأهمية الدور الذي تقوم به سوريا بالنسبة لتسوية الازمة اللبنانية"(2) , في وقت لاحق نشرت وكالة اليونايتد برس الامريكية من واشنطن في 27/1/1976 (وزارة الخارجية الامريكية أكدت بأنها تقوم بنقل الرسائل من اسرائيل الى سوريا حول الوضع في الجنوب اللبناني" , فما الذي حدث ؟

لمعرفة الحقيقة , لا بد من الرجوع قليلا بالزمن للوراء , و تحديدا في 31 مايو/ نيسان من عام 1974 , بعد بضعة شهور من حرب 73 ,عقدت اتفاقية ما يسمى ب(فك الاشتباك) المعروفة باتفاقية سعسع بين سوريا و امريكا والتي تراجعت بموجبه القوات السورية مسافة 15 كم شمال القنيطرة , كان مهندس الاتفاق هو اليهودي وزير خارجية امريكا (هنري كسينجر) , وأعلن الرئيس الامريكي وقتها (ريتشارد نكسون) نبأ الوصول الى اتفاق قصل القوات على جبهة الجولان بعد الهزيمة الجديدة الاخرى لقوات حافظ (3) وبالطبع كان هذا يعتبر نصرا مؤزرا على الجانب السوري , حيث بعد التغني بنبرة عدم التفاوض مع العدو , جلسوا معه مباشرة في مؤتمر جنيف عام 1974 , ولكن هذا لم يكن سوى مقدمة لما أهو اهم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية . فقد اتفق الزعماء السوريون وقتها على أنهم سوف يعارضون و يوقفون عمليات التسلل للفدائيين من الاراضي السورية , ولكنهم لن يعلنوا هذه المعارضة او يضمنونها نصيا في اتفاقية فصل القوات (4) يقول (كمال جنبلاط) "لقد عارض الامريكيون و الاسرائيليون في بادئ الامر الاحتلال المباشر للبنان , غير أنهم عادوا بعد ذلك حين عرفوا بطموح النظام السوري و عزمه على الخلاف من استقلالية منظمة التحرير الفلسطينية و شجعوا المغامرة العسكرية ,فكان على عرفات و علينا ان ندافع عن انفسنا ’ و فوق ذلك كانت سوريا ترى في التلاحم الفلسطيني اللبناني العملي و التعاون بين الثورة الفلسطينية و الوطنيين اللبنانيين خطرا يهددها بالامتداد و زواجا سيئا لابد من فصل عراه مهما كان الثمن" (5) , علينا الاخذ بعين الاعتبار ان جذور الكراهية بين منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت الممثل الشرعي و الوحيد للفلسطينيين وقتها ,قديمة مع حافظ الوحش , ففي عام 1967 تم سجن ياسر عرفات وعدد من رفاقه في دمشق (6).

نشرت جريدة الجماهير الصادرة في استراليا لاحقا في الثاني و العشرين من اكتوبر /تشرين الاول ما يلي " حضر رفعت اسد الى مدنية جونيه اللبنانية و عقد اجتماعا مع (دين بروان) مبعوث الرئيس الامريكي و اتفق على ما يلي :
1-دعم ومساندة النظام السوري و السماح للمخابرات الامريكية بتواجد اكثر في سوريا لكشف المخططات المعادية للنظام
2 إبقاء المبادرة السوریة في لبنان، والإبقاء على إخفاء صفة الشرعیة لدخول الجیش السوري إلى لبنان
3 قیام نشاط إعلامي سوري عربي من أجل إنجاح الدور الأمریكي السوري في لبنان
4 تأخذ سوریا على عاتقھا وضع المقاومة تحت سلطاتھا وضرب الیسار في الداخل والخارج
5 تتعھد أمریكا لسوریة بعدم تحرك إسرائیل على الجبھة السوریة، تمكینا لًسوریة من تنفیذ عملھا في لبنان جریدة الجماھیر"(7)

فقد كان دخول الجیش السوري إلى لبنان إنقاذا لًلموارنة من ھزیمة عسكریة، كما كان ايضا تحجیما لًدور منظمة التحریر والقوات الوطنية في لبنان وقابل زعماء الموارنة موقف الوحش منهم بالارتياح والرضى . ففي 16/6/1976 نقلت جريدة الاهرام تصريحا لكميل شمعون وزير الداخلية اللبناني (ثاني رئيس للبنان سابقا) " لقد اتفقنا مع سوريا على خطط ترضينا"(8) , وبعدها بشهر ونصف في 9/8/1976 نقلت وكالات الانباء بأن كميل شمعون وزير داخلية لبنان وصل الى دمشق للتباحث مع حلفائه السوريين ولتنسيق العمل العسكري في لبنان ضد المقاومة والقوات التقدمية , و اعلن شمعون في انه يثق ثقة كاملة بالرئيس السوري , اما بيار الجميّل فقد صرح في بيروت ان سورية الدولة الوحيدة القادرة على فرض السلام في لبنان. و اعترفت الصحف الاسرائيلية لاحقا بأن وجود قوات حافظ في الجنوب انما يستهدف المقاومة و اليساريين اللبنانيين (9) فقد كان الموارنة يملكون ميليشيات (الكتائب) و قد اتخذتها اسرائيل سابقا كجدار و خط دفاع اول ضد الفلسطينيين في جنوب لبنان , فهي حليفة لاسرائيل و تدخل حافظ سنة 1976 من اجل حمايتها , وهذا ما قام به فعلا في بادئ الامر , لكنه انقلب عليهم ليضعفهم و يتحالف مع الشيعة المتمثلة في حركة (امل) للقضاء على قوتهم , وليس عليهم كما هو بديهي .

في بداية التدخل السوري في لبنان نقلت اذاعة اسرائيل تصريحا لرئيس وزراء اسرائيل و رئيس اركانها السابق (اسحاق رابين) " إن اسرائيل لا تجد سببا يدعوها لمنع الجيش السوري من التوغل في لبنان فهذا الجيش يهاجم الفلسطينيين و تدخلنا عندئذ سيكون بمثابة تقديم المساعدة لهم , ويجب علينا ألا نزعج القوات السورية اثناء قتلها للفلسطينيين ,فهي تقوم بمهمة لا تخفى نتائجها الحسنة بالنسبة لنا"(10) ’ سعى حافظ وبكل جد و اخلاص لتحجيم القضية الفلسطينية في البداية و عندما لم يستطع احتوائها ,لم يجد حرجا من القضاء عليها عسكريا , فبعد دخول لبنان و القضاء على القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية في البقاع و عكار و الجبل و صيدا , لجأت الى منع المؤن و الاسلحة من الوصول للمقاومة الفلسطينية ,بل ان السلطات النصيرية استولت على مواد غذائية كانت في طريقها من فلسطينيي دول الخليج الى لبنان (11) , ولم تكتف بذلك فأخذت تلك القوات بالتفرج اولا على قوات الكتائب التي اخدت بمحاصرة مخيم تل الزعتر في اواخر يوليو /حزيران من عام 1976 , وبقي محاصرا اكثر من اسبوعين حتى 14 اغسطس /آب , ثم اشتركت لاحقا في الحصار و تابعت الامر بأن شاركت بالاعدامات الميدانية و عمليات هتك الاعراض التي تمت لمن بقي حيا داخل المخيم , كان قائد القوات النصيرية عقيد اسمه (علي مدني) , (12) و لكن الواقع أن المستهدف الرئيسي كان المسلمون السنة . الذين لم ينجوا في طرابلس من مجازر النصيريين في سوريا او لبنان .فقد تحولت انظار حافظ و معه الى شمال لبنان حيث كان ياسر عرفات في طرابلس وقتها في اواخر عام 1983 (لاحقا تكرر السيناريو نفسه في عام 1985) ,وقاموا بالتعاون مع نصيرية بعل محسن بمحاصرة المدينة و دكها لستة اسابيع كاملة حتى غادر عرفات بعد وساطة بينه و بين محاصريه في العشرين من نوفمبر /تشرين الثاني و معه 4 الاف مقاتل فلسطيني , وتم توزيع الاسلحة الثقيلة التي كان يملكها على الجيش اللبناني الذي اعطاها في المقابل للكتائب (13) .

هناك شواهد كثيرة يمكن استنتاجها مما حصل , منها ان الضحية المشتركة كانت دوما من المسلمين , و منها أن التحالف الاسرائيلي مع الاقليات الباطنية و الموارنة هو تحالف متين , ولكن الاهم من ذلك كله , هو ما حصل لمنظمة التحرير الفلسطينية ,فقد كانت تلك هي الممثل الوحيد الشرعي للفلسطينيين , وبالرغم من الدعم التي تحصلت عليه من هنا و هناك و تحت مسميات مختلفة , الا انها لم تستطع انجاز أي شيء غير فضح حقيقة المجرمين ممن يتاجرون بفلسطين . وعلينا الاستفادة من تلك التجربة وقراءتها بتمعن , و السعيد من اتعظ بغيره .

1- هذه وصيتي : كمال جنبلاط ص 105
2- سوريا في قرن : منير الغضبان 507 -508
3- الحروب العربية الاسرائيلية و عملية السلامة : سيدني بيلي ص 306-307
4- الصراع العربي الاسرائيلي : عبدالغني النواوي : ج1 / ص457
5- هذه وصيتي : ص 94
6- المصدر السابق ص 105
7- جريدة الجماهير الصادرة في استراليا , العدد 22 تاريخ 22/10/1976
8- جريدة الاخبار المصرية عدد 16/6/1976
9- الصراع العربي الاسرائيلي : ص 477
10- المصدر السابق ص 478
11- سوريا في قرن ص 511
12- المصدر السابق ص 513
13- امل و المخيمات الفلسطينية : عبدالله محمد الغريب ص66

الجمعة، 2 أغسطس، 2013

الجمهورية العربية المتحدة تتفكك , سراب الوحدة



خلال زیارته إلى اللاذقیة سنة 1960  بمناسبة العید الثاني للوحدة خطب عبد الناصر من شرفة نادي الضباط قائلا "إن الذین یتصدون الآن لمسیرة الوحدة من أصحاب الشعارات الفارغة  ویضعون العراقیل في طریقھا، سندوسھم بالجزم! " (1) لم يعد رئيس الجمهورية العربية المتحدة يتحمل ثمرة اخطاء أناس وافق على أن يكون رئيسهم , لكن ما الذي جعله يتلفظ بكلمات كهذه امام جماهيره؟




كتب (أندرو راثميل) يتكلم عن الوحدة العربية بقيادة عبدالناصر "إن الدعوة للوحدة العربية بقيادة ناصر كانت على العموم اكثر انتشارا خارج مصر مما كانت عليه داخلها  , وفي سوريا ايضا تكشف واقع الوحدة على أنه أقل سحرا من الحلم ,فالجمهورية العربية المتحدة ما كانت شراكة بين فريقين متكافئين وإنما كانت بمثابة ابتلاع مصري كامل لسوريا"(2) . لم تكن الوحدة في جوهرها سليمة البناء ,فقد كان العامل الوحيد الذي بنيت عليه هو (جمال عبدالناصر) وحده و ليس أي أمر آخر , وسرعان ما تبين أن سياسات هذا الاخير قد أضرت بشكل كبير بالسوريين . على الصعيد الاقتصادي كانت القرارات السيئة تصدر بشكل مضطرد , فقد شجعت تلك القرارات العديد من التجار الى الخروج من سوريا هربا من قرارات التأميم , فاصبح تهريب الأموال و البضائع الى لبنان التي اصبحت متنفس سوريا الاقتصادي امرا اعتياديا , بل أن الضباط و المعلمين تحولوا الى (تجار شنط) يأتون الى سوريا في اجازة لبضعة أيام يملؤون الشنط بكل ثمين غير متوفر في مصر و يعودون بها هناك ليبيعوها او يأخذوها لأنفسهم  ,حتى وصل الامر باستخدام  الطائرات العسكرية للتهريب (3) و قد اخذت مصر 3 غواصات روسية اشترتها سوريا قبل الوحدة و طالبت سوريا بدفع نفقات الاصلاح ايضا , بينما في الكلية الحربية بحمص تصرف عميدها المصري (محمد فوزي) بشكل انفرادي فج فيها حتى كان تسمى ب(عزبة محمد فوزي) (4), ولم يساعد القحط الذي اصاب سوريا ثلاث سنين عجاف في تخفيف وطأة تلك المشاكل , ولكن الضربة القاصمة جاءت مع قانون الإصلاح الزراعي و تأميم القطاع الصناعي اواخر سنة 1960 (قبل بضعة أشهر من الانفصال) فلم يبق هناك أمل لدى التجار و المزارعين في البقاء تحت هذا الوضع . 

من جهة أخرى , كان أول المتذمرين من الوحدة هم البعثيين و على رأسهم (أكرم الحوراني) و تبعه (صلاح البيطار) و (ميشيل عفلق) الذي أخذ عبدالناصر يسخر منه قائلا بأنه يتصرف كأباطرة اليونان المجانين وبأنه قبرصي مشكوك في انتمائه العربي (5)  , فقد ضاق عبدالناصر ذرعا بالبعثيين الذين كانت مطالبهم أعلى مما يستحقون حتى قال عنهم عبدالناصر نفسه "انا شفت من البعث اللي محدش شافه" , و كان على حق فالبعثيون الذين كانوا من اوائل المطالبين بالوحدة كانت لديهم أطماع اخرى , يقول العقيد (كمال الدين حسين) أحد افراد حركة (الضباط الاحرار) "قلت لعبدالناصر إني لا أثق فيهم.. و أرى أن البعثيين المسؤولين عن الأمر في سوريا حاليا عملاء و ميشيل عفلق على رأسهم ,هؤلاء أكبر عملاء يعملون ضد الاسلام و اعتقادي أن الوحدة "مش حتنفع" إنما يريدون الاستناد إلينا فترة من الزمن حتى تقوى حركتهم ثم ينفصلون"(6) و لم يخطئ كمال الدين في توقعاته , ففي بداية الوحدة شعر البعثيون باليأس بعد أن شتتهم عبدالناصر و جمد زعاماتهم , فقد أمعن في اقصائهم عن مناطق نفوذهم بتعيينهم في مناصب وزارية بعيدة عن ماراكز القوى التي كانوا يتمتعون بها داخل المؤسسة العسكرية من أمثال (اكرم الديري) و (امين النفوري) و (احمد عبدالكريم) و (جمال الصوفي) و غيرهم  وكان قد نقل ضباطا اخرين مثلهم من سوريا الى مصر , و وضع بدلا منهم ضباطا دمشقيين محايدين , فالدمشقيين كانوا اقل الناس تأثرا بالافكار البعثية , فأحس هؤلاء بالسخط حتى لجأوا الى (أكرم الحوراني) بصفته نائب ناصر فجاء إليه شاكيا له من الوضع (7) و لكن حوراني لم يسع فقط لتعديل وضع اتباعه , بل سعى أيضا لتحذير عبدالناصر من الدمشقيين ووصفهم بأبناء التجار ذوي الميول الاخوانية (8) و تضايق من أنه لم يجد اكتراث لدى عبدالناصر , يقول المؤرخ (بشير زين العابدين) " ولعل الحوراني لم يكن يدرك بعد بأنه عين في منصب نائب رئيس الجمهورية المتحدة بصفته ممثلاً للشعب السوري وليس بصفته رئيساً لحزب اشتراكي, فكان من واجبه أن يمثل شعبه لا أن يمثل مصالح حزبه. ولعل العصبية الحزبية لدى الحوراني قد أنسته بأنه من المنافي لصفته الدستورية أن يقوم نائب رئيس الجمهورية بالدسيسة لصالح فئة من الشعب السوري ضد فئة أخرى بدلاً من أن يتصرف بمسؤولية تتناسب مع منصبه الكبير" و يكمل قائلا " والأغرب من ذلك أن يتوقع الحوراني من عبد الناصر الاكتراث لكلامه ضد أبناء الطبقة التجارية وذوو الميول الإخوانية لصالح البعثيين, وهو نمط من العبث السياسي الذي دأب على ممارسته طوال نشاطه السياسي منذ انقلاب حسني الزعيم. " (9) , لقد شعر البعثيون و على رأسهم الحوراني بخطيئتهم الفادحة , فلأول مرة يجد (ثعلب الانقلابات) نفسه عاجزا عن تدبير انقلاب في الجمهورية المتحدة ,  فكان البعثيون العبثيين من اوائل من طالبوا بالانفصال و تجسّد ذلك باستقالة جميع الزعماء البعثيين مثل (الحوراني) و (البيطار)و(عفلق) وتلاهم تلامذتهم مثل (مصطفى حمدون) و (عبدالغني قنوت) (10) و لكن كل كذلك كان يتم على السطح , بينما تحت ذلك تحرك الباطنيون ليؤسسوا (اللجنة العسكرية السرية) في صيف 1959 و التي تألفت من (حافظ الوحش- محمد عمران – صلاح جديد) نصيريين و (عبدالكريم الجندي – احمد المير) اسماعيليان,  ولاحقا كان لكل اعضاء هذه اللجنة دورا كبيرا في فترة ما بعد انقلاب 1963 .

من اليمين لليسار : محمد عمران - حافظ الوحش - صلاح جديد

كان ناصر ملما بدور الاقليات في الانقلابات السابقة بحكم تقارير السفارة المصرية في دمشق التي قويت علاقاتها مع سوريا في الخمسينات , و قد فضل ناصر ضباط موالين للشيشكلي على ابناء الاقليات حذرا منهم , فنقلهم الى القاهرة ليبقوا تحت عينه حتى ان حافظ وقتها كان رئيس المطار العسكري في القاهرة . ويشير عبدالكريم زهرالدين الضابط الدرزي في مذكراته أن الفريق (جمال فيصل) تم استهلاكه تماما وعندما طرح اسم (جادو عز الدين ) بدلا منه تم رفضه لكونه درزيا , و يروي المؤرخ الالماني (بيتر جوسبر) أن النصيريين كانوا يعارضون بشدة الوحدة مع مصر , فالنصيريين كانوا أقلية لا تتجاوز 8% في سوريا و اتحادهم مع مصر سيؤدي لتذويبهم في محيط مسلم سني اكبر لا يعترف بخصوصياتهم التي تعودوا عليها , و يذكر المؤرخ السوري(محمد زين العابدين)  أن حل حزب البعث كان له أثر كبير في اثارة سخط النصيريين حيث كان عدد كبير من قياداته من طائفتهم امثال (وهيب الغانم) و (زكي الارسوزي)  و يعتقد المؤرخ ان سبب سخط الاقليات الطائفية على القيادات التقليدية مثل الحوراني وعفلق و البيطار هي اتخاذهم لهذه الخطوة دون استشارتهم فيها  (11) وبالرغم من دعم الاردن للدروز و النصيريين بالاسلحة (12) الا ان ذلك لم يؤثر كثيرا في سوريا بسبب قوة مخابرات السرّاج التي تغلغلت في الاردن و لبنان . هذا الاخير كان قد اخذ يتصرف كما يشاء في الاقليم الشمالي(سوريا) مما ادى لكثرة الشكايات ضده حتى أنه كان يعوّق عمل المخابرات المصرية  , حتى جاءه المشير عبدالحكيم عامر , و يعلق (راثميل) على ما فعله ناصر قائلا (إن تعيين عامر كان لتقييد الدور الطليق الذي كان يلعبه السراج , ولو تقييدا محدودا , ولكنه على الرغم من ذلك بقي موضع تقدير رفيع من ناصر . لكن رد السرّاج على السخط منه كان بمزيد من القمع" (13) .و كان قد تم ارسال عامر الى سوريا في خريف عام 1959 (قبل الانفصال ببضعة شهور) ,  يصفه (عبدالكريم النحلاوي) بأنه شخص طيب القلب و بريء حمّل اكثر من طاقته (14) . 
 
المشير عبدالحكيم عامر
بعد ازدياد السخط و التململ من التغوّل المصري في البلاد , بدأت بوادر الانقلاب لدى كل من الضابطين (احمد حنيدي) و(طعمة العودةالله) حيث كانا يحضران لانقلاب بقيادة (عبدالله شيخ عطية) وقد علم بها النحلاوي الذي كان مدير شؤون الضباط (وكان السوري الوحيد في تلك الشعبة) و أفاد النحلاوي بأن قائد الجيش اللواء (احمد علوي) كان على علم بها , فقام بتكثيف تواجد الضباط المصريين على حساب السوريين منعا لأي حركة مفاجئة , لكن النحلاوي كان قد اخترق اقوى لواءين يعتمد عليهما عبدالناصر وهما (اللواء 70 بقيادة الضابط المصري كمال حسين و اللواء 72 بقيادة السوري الناصري جاسم علوان) (15), و في فبراير/شباط من عام 1961 طلب النحلاوي من العقيد (عبدالغني دهمان) المجيء مع مجموعة من الضباط الى مقر القيادة في الرابعة صباحا , فجاء ومعه الضباط (موفق عصاصة – و زهير عقيل – ونورالله حاج ابراهيم) الذين حسب قوله تفاجئوا بما قام به لكنهم وافقوا جميعا على الانضمام اليه . ذهب العقيد (عبدالكريم النحلاوي) الى المشير عامر الذي كان في مقر القيادة و سأله الاخير قائلا (الا توجد هناك طريقة اخرى غير هذه؟ ) –يقصد الانقلاب- فأجابه النحلاوي بأن الامر كان يمكن تفاديه منذ البداية لو انهم فقط اتخذوا اجراءات حيال ما كان يطلعهم عليه من اوضاع سيئة , ووضع النحلاوي مطالبه التي تلخصت في ابعاد قادة الجيش المصريين ((احمد علوي , احمد زكي , سعيد الماح ,قدري نافع و أنور القاضي) وذلك بسبب سوء ادارتهم و طالب إنشاء قيادة مشتركة بين الجيشين) . سارت حركة النحلاوي بسلاسة  دون أي عوائق حقيقية وقد استجابت معظم القطع العسكرية لها ما عدا (حلب و حمص و القطيفة) .
 
العقيد عبدالكريم النحلاوي
علم عبدالناصر في الساعة 8 صباحا بالانباء فاستشاط غضبا ترجمه في هجوم اذاعي كبير على الحركة و طلب من اللواءين 70 و 72 ان يتحركا لكنهما كانا مخترقين و لم يمكنه التحكم بهما , فأراد ناصر ان يستقل طائرة نحو حلب او اللاذقية لكن (عبداللطيف البغدادي) منعه بقوله أن الحركة تحظى بشعبية كبيرة , فأقلع عبدالناصر عن السفر . لاحقا ابلغ النحلاوي طلباته للمشير عامر فوافق عليها المشير واصدر البيان رقم 9 الذي نادى بعودة المياه لمجاريها , فسبب هذا الامر ارباكا شديدا بين الضباط الذين راهنوا على جلاء الناصريين كلية من البلد وخافوا من المحاسبة , فظهرت مظاهرات تندد بناصر و اخرى تؤيده  , لكن الامر الاكثر ارباكا كان يحصل في مقر القيادة حيث طلب النحلاوي من المشير عامر ان يوقع على البيان رقم 10 النهائي الذي يقضي بإنهاء الامور فرفض هذا الاخير , و كانت مفاجأة للنحلاوي من هذا التغير الغريب في موقف المشير , وعلم لاحقا ان المشير قد تشاور مع ناصر و طالبه هذا الاخير بعدم الاستجابة للمطالب و المماطلة , وبالرغم من ان عامر حاول اقناعه بالعدول عن هذا القرار الا ان عبدالناصر أصر عليه . فطلب النحلاوي من الفريق(جمال فيصل) ان يوقع بدلا عن عامر لكنه جاوبه قائلا ( انا مالي علاقة) فصرخ به النحلاوي (كيف ليس لك علاقة وانت من كتب البيان؟؟) , وحاول النحلاوي ان يقنع أي منهما بالتوقيع على البيان فلم يوافقا , ما اضطر النحلاوي لاعلان البيان رقم 10 الذي نقض البيان 9 فهدأت الامور نسبيا بين الضباط السوريين . (16) و هكذا في التاسع و العشرين من سبتمبر/ايلول 1961 (بعد يوم من الانقلاب )اعلن رسميا عن تشكيل حكومة سورية بقيادة (مأمون الكزبري) لقيادة الجمهورية العربية السورية .